المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : امرأة في قلبي...


رشيد بوشارب
26th May 2008, 00:37
امرأة في قلبي...


وسط محطة القطار تراءت لي من بعيد ، بدت عليها علامات التعب والارهاق ، كانت شاحبة اللون ، تمد بصرها في تثاقل هناك وهناك ، وكأنما تبحث عن شيء مفقود وضائع ، نظرت اليها بتمعن ، لم أجد سببا محددا لاهتمامي ، لم يكن فضولا ، ولكنه احساس غريب راودني ، أحسست بالرغبة الجامحة في الاقتراب منها والتعرف عليها ، كان الوقت ليلا ، وفي هذا الوقت بالذات تتأجج المشاعر ، الانسان لحظتها يكون مستعدا للبوح والفضفضة وتفريغ الهموم والمواجع ، كان ذلك مطلبا طبيعيا ، أملاه الفؤاد...وعمق الاحساس ...ولين القلب ...

حان موعد انطلاق القطار ، هرول المسافرون اتجاه الباب ، وكأنهم في سباق محموم ، تزاحم وتدافع ، وتراشق بالألسنة ، كنا قلة قليلة ، ولكن الهرولة كانت على أشدها ...
من بعيد كنت واقفا ، أتأمل حركاتها وسكناتها ، اقتربت منها بلا تردد ...من شدة اضطرابي لم ألق عليها التحية ، رفعت حقيبتها على كتفي ، بادرتني بالكلام قائلة : الله يرحم لك الوالدين ...
اخترت مقصورة فارغة ، وضعت حقيبتها في المكان المخصص لوضع الأمتعة وجلست ، شكرا لك : هكذا خاطبتي...
جلست قبالتها ، أخرجت من حقيبتي جريدتي اليومية ، ومدت هي بصرها الى النافذة، تتابع الأشجار والبيوت وخيوط الظلام ، بعد حين أخرجت من حقيبتها اليدوية كتيبا صغيرا ، من صورة غلافه عرفت أنه خاص بفنون الطبخ ، ولم أعرف صراحة علاقة ذلك بحالتها الراهنة ، أهو ترويح عن النفس ...؟ ربما...
قرأت الجريدة سريعا ، بامتعاض وعدم رضى أغلقتها ، صفحات كلها أخبار شوهاء ، اغتصاب واختلاس وحوادث هنا وهناك ، نظرت اليها من جديد ، تفرست في عيونها بشكل فاضح ، لمحتني وابتسمت ...قلت لها: آسف حقا ، في خيالي صورة لامرأة عزيزة على قلبي ، تشبهك كثيرا ...
لم تنطق بكلمة واحدة ، أحسست بضعف موقفي ، وتلونت بحمرة غير معتادة ، خجلا منها ...ومن نفسي...
فتحت حقيبتها من جديد ، أخرجت منه ألبوم صور ، بدت سعيدة جدا وهي تقلب الصفحة تلو الأخرى ، تفرست في وجهي وكأنها تريد التحقق من شيء معين ، ابتسمت ابتسامة عريضة ، سحبت من الألبوم صورة قديمة ، مدتني اياها قائلة ، ألست أنت ...قبل ربع قرن ...؟
تجمدت في مكاني ، اندفعت الدماء في شراييني كالنهر الجارف ، بدت علي سعادة غامرة ، نعم ، هذا أنا ...في صورة جماعية مع تلامذة الفصل ، وأنت معلمتي الرائعة ...التي كانت تحبنا جميعا ، مجتهدين وكسلاء...
نهضت من مقعدي ، صافحتها بشدة ، لم أستطع مقاومة مشاعري ، فانسحبت الدموع من عيوني ، لم أكن أعرف سببا لبكائي ، أمن حق الرجل أن يبكي ، نعم ...من حقه ذلك...
أكان ذلك بسبب هذه المصادفة الفريدة ، أم هي لحظة نادرة لاسترجاع ذكريات الطفولة ، أم هو وجع مفاجئ ، لحالة هذه المرأة العظيمة ، التي علمتني كيف أطوع القلم بين أناملي ، وكيف يصبح الصبر أمام عوادي الزمن ، باعثا على الحياة ...نعم ، هذه هي المرأة التي انتشرت قصتها في أرجاء المدينة ، بعد فقدانها لزوجها وأبنائها الأربعة دفعة واحدة ، في حادثة مروعة على الطريق السيار قبل عشر سنوات...وهاهي الان ، برغم الفاجعة...برغم الحزن الذي يكتسح محياها ، مازالت واقفة كشجر الصفصاف...هذه هي المرأة نفسها العزيزة على قلبي ...
تمنيت ألا أصل الى الرباط العاصمة ، فبرغم الجو البارد ، أحسست داخل المقصورة بدفء غريب يسري في أوصالي ، تألقت ابتسامتها وهي تحكي بفخر عن تجربتها بسلك التعليم ، عن حبها للأطفال ، وعطفها عليهم ، قالت لي : أنتم تلامذة الأمس ، تختلفون عن تلامذة اليوم ، كل شيء تغير ، الانسان والشوارع والجدران والتراب ، قلت لها ، وأنتم لستم كمثل أساتذة اليوم ...قاطعتني قائلة غدا ستشرق الشمس بكم...نحن المتقاعدون ، لم يعد لنا من دور في الحياة...
تناولنا وجبة العشاء سويا ، وشربنا قهوتنا السوداء ، مر الوقت سريعا ، الى أن توقف بنا القطار بمحطة أكدال بالعاصمة الرباط ، حملت حقيبتي ...هممت بالنزول ، مددت لها يدي لتوديعها ، قالت لي ، انتبه لنفسك يابني ، رفعت لها رأسي علامة على الرضى ، اخترقت جموع الواقفين ، تقدمت الى شباك التذاكر ، سحبت تذكرة جديدة ، للتنقل الى الدار البيضاء حيث كانت مسافرة ، فتحت المقصورة ، نظرت الي باستغراب ، ضحكنا في نفس الآن ، قلت لها ، سأبلغك الى محطة الدار البيضاء ، وأعود على متن قطار آخر...


رشيد بوشارب

التائبة لله
26th May 2008, 05:17
هكذا كان بناة الأجيال , وعلى ذلك الحال تجمعنا الصدف بهم ..
أخي الفاضل ..
على مقاعد الدراسة , تجمعنا ذكريات لها جذور في القلب ..
أبدعت في سطورك الرائعة هذه
بارك الله فيك و جزاك الله جنان الخلد

alyasamina
29th May 2008, 11:52
السلام عليكم دفء الذكريات ومشاعر الامومة باقة عطرة في قصتك ... ابهرتني بانسيابها المميز ووصف احداثها الشيق ..

حفيظة الدين
29th May 2008, 15:25
ظننتني قرأت القصة من قبل، ولكن بعد إعادة القراءة اكتشفت أني قرأتها لأول مرة
أحاسيس جد رائعة وصدق كبير، تساءلت: هل ما حدث كان حقيقة أم فقط في خيال المبدع؟ أيمكن أن يرسم الخيال كل هذا الصدق؟ أم هو فعلا الحقيقة وما حملته من معاني قيمة صارت نادرة الوجود؟
أنتظر الجواب.......

رائعة هي .......
بارك الله فيك أخي

رشيد بوشارب
3rd June 2008, 10:24
جزاك الله خيرا أختي الفاضلة التائبة لله على العبارات الطيبة
تقبلي خالص التقدير

رشيد بوشارب
14th June 2008, 08:12
أختي الفاضلة الياسمينة ، جزاك الله خيرا على المرور الكريم
تقبلي خالص التقدير

رشيد بوشارب
1st July 2008, 16:24
أحاسيس جد رائعة وصدق كبير، تساءلت: هل ما حدث كان حقيقة أم فقط في خيال المبدع؟ أيمكن أن يرسم الخيال كل هذا الصدق؟ أم هو فعلا الحقيقة وما حملته من معاني قيمة صارت نادرة الوجود؟
أنتظر الجواب.......


الخيال دائما له دور في الابداع ، وحين نشعر أنه قادر على منحنا الأحاسيس الفياضة ، فلابد من استغلال لحظة الوحي فيه ، والكتابة بشكل أعمق
جزاك الله خيرا اختي الفاضلة حفيظة الدين على الاضافة الأكثر من رائعة
تقبلي خالص التقدير

سر الحياه
7th May 2009, 18:52
أشاطر الأخت حفيظة الدين رئيها
وتوقع ان تكون القصة اقرب للواقع

وكذالك اساند الاخ والاستاذ رشيد ان للخيال حقه في الابداع والتميز


فعلاً أبحرت معك اخي رشيد في تلك النزهة وقاسمتك.....
ادام الله عليك اهلك واأحبائك
والسلام

إبن الزبير العربي
7th May 2009, 20:34
بسم الله الرحمن الرحيم :
قصة رائعة و معبرة عن أحاسيس إنسانية نبيلة .
في رعاية الرحمن أخي .

سناء محمد
7th May 2009, 22:27
بارك الله بك اخي رشيد

حقا ... ما اجمل ان تعود بنا الذاكرة الى الخلف بعض اعوام

تذكرنا اين كنا ..... وتبصرِنا أين صرنا

مهما تقادم الزمن و اندثرت بعض صوره لا بد لنا ان نحمل في قلوبنا شيئاً من مخلفاته

جميلةٌ هي المشاعر الانسانية التي تخللت النص , بوركت اخي

شذاالروح
8th May 2009, 10:14
شكرا جزيلا أخي رشيد على هذه الإبداعه التي تعبر عن إمتنانا جميعا لأشخاص في هذه الحياة في يوم ما كلا منهم علمنا شيئ أجمل مما علمنا إياه الآخر ونتمنى أن يجمعنا الله بهم يوم لنقبل أيديهم على لحظات الإخلاص التي أعطونا إياها وبقية مصاحبة لنا طول العمر
شكرا أخينا لقد الهمت أحاسيسنا نحو من علمونا يوما.

رشيد بوشارب
10th May 2009, 18:25
أشاطر الأخت حفيظة الدين رئيها
وتوقع ان تكون القصة اقرب للواقع

وكذالك اساند الاخ والاستاذ رشيد ان للخيال حقه في الابداع والتميز


فعلاً أبحرت معك اخي رشيد في تلك النزهة وقاسمتك.....
ادام الله عليك اهلك واأحبائك
والسلام
بوركت أخي سر الحياة على المتابعة والاضافة الطيبة

رشيد بوشارب
11th May 2009, 18:43
بسم الله الرحمن الرحيم :
قصة رائعة و معبرة عن أحاسيس إنسانية نبيلة .
في رعاية الرحمن أخي .
سعدت باضافتك الطيبة أخي الكريم ابن الزبير العربي

القلم الحائر
3rd September 2009, 03:07
قصة رائعة ... كلمات أروع .. إختيار موفق لصياغة الطفولة وإختلاطها بألوان الحياة الراهنة ... ذكريات جميلة وصدفة مصورة صبغت بألوانها خطوط الزمن ... في كل حرف قرأته .. عشت الموقف .. وكأني أنا من ركب القطار و نزل إلى محطة الرباط .. وقطع تذكرة ليكمل إلى الدار البيضاء ..

كتبت فأبدعت أخي رشيد .. أنتظر من قلمك بلهفة المزيد والمزيد ..

دمتم بخير

جمال عباس
3rd September 2009, 05:11
أخي رشيد عشت لحظات حميمة مع قصتك المبدعة بخيوطها التي نسجت من المشاعر والأحاسيس الراقية هي فعلاً ذكرياتنا التي خلفناها وراءنا تترقرق الدموع حتى تأخذنا الذكرى وتعود بنا مرة أخرى لتلك الحقبة المميزة .......... دمت مبدعاً كعادتك لا حرمنا الله من قلمك المبدع

رشيد بوشارب
3rd September 2009, 22:43
بارك الله بك اخي رشيد

حقا ... ما اجمل ان تعود بنا الذاكرة الى الخلف بعض اعوام

تذكرنا اين كنا ..... وتبصرِنا أين صرنا

مهما تقادم الزمن و اندثرت بعض صوره لا بد لنا ان نحمل في قلوبنا شيئاً من مخلفاته

جميلةٌ هي المشاعر الانسانية التي تخللت النص , بوركت اخي
بوركت أختي الكريمة أفاميا على التفاعل المميز

بوسعد
5th September 2009, 08:15
اخي رشيد
الوفاء من الصفات التي اصبحت نادرة في زمننا هذا، وقليلا ما نصادف في حياتنا من يتذكر أساتذته بحب صادق لم تستطع السنوات محوا ذكرى من تركوا بصماتهم بارزة في حياته وقصتك مع هذه السيدة التى بذلت حياتها في العطاء، ورغم الفاجعة التي حلت بها الا انها ظلت صامدة وهذا يدل على انها لا تعيش لنفسها ولا تسجن نفسها داخل برواز الانانية بل جعلت نفسها شجرة مثمرة واعجبني
وصفك لها بالشجرة لان عروقها تمتد في كل مكان.
قلمك دائما متألق
تقبل مروري المتواضع فما أنا إلا تلميذة ارتشف اجمل الكلمات من نصوصك الرائعة

رشيد بوشارب
6th September 2009, 00:09
شكرا جزيلا أخي رشيد على هذه الإبداعه التي تعبر عن إمتنانا جميعا لأشخاص في هذه الحياة في يوم ما كلا منهم علمنا شيئ أجمل مما علمنا إياه الآخر ونتمنى أن يجمعنا الله بهم يوم لنقبل أيديهم على لحظات الإخلاص التي أعطونا إياها وبقية مصاحبة لنا طول العمر
شكرا أخينا لقد الهمت أحاسيسنا نحو من علمونا يوما.
الشكر الجزيل على الاضافة الراقية
بوركت

رشيد بوشارب
11th September 2009, 23:06
قصة رائعة ... كلمات أروع .. إختيار موفق لصياغة الطفولة وإختلاطها بألوان الحياة الراهنة ... ذكريات جميلة وصدفة مصورة صبغت بألوانها خطوط الزمن ... في كل حرف قرأته .. عشت الموقف .. وكأني أنا من ركب القطار و نزل إلى محطة الرباط .. وقطع تذكرة ليكمل إلى الدار البيضاء ..

كتبت فأبدعت أخي رشيد .. أنتظر من قلمك بلهفة المزيد والمزيد ..

دمتم بخير
القلم الحائر
أسعدني تفاعلك الكامل مع القصة
بوركت على طيب المرور